هل شرب الماء بكثرة مفيد دائماً؟ الحقيقة قد تفاجئك
الماء عنصر أساسي للحياة، ولا يستطيع جسم الإنسان الاستغناء عنه. فهو يدخل في معظم العمليات الحيوية تقريبًا، ويساعد على تنظيم درجة حرارة الجسم، ونقل العناصر الغذائية، والتخلص من الفضلات، والمحافظة على عمل الكلى والجهاز الهضمي والعضلات بصورة طبيعية.
ولهذا نسمع كثيرًا نصائح مثل: “اشرب ماء أكثر” أو “كلما شربت ماء أكثر كان ذلك أفضل لصحتك”. لكن هل هذه الفكرة صحيحة دائمًا؟
الحقيقة أن الجسم يحتاج إلى كمية مناسبة من الماء، لكن الإفراط في شرب الماء ليس بالضرورة أكثر فائدة، وفي حالات نادرة قد يؤدي تناول كميات كبيرة جدًا خلال فترة قصيرة إلى اضطراب خطير في توازن الأملاح في الجسم.
إذن، السؤال الأهم ليس: كيف أشرب أكبر كمية ممكنة من الماء؟ بل: كيف أعرف أنني أشرب كمية مناسبة لاحتياجات جسمي؟
لماذا يحتاج الجسم إلى الماء؟
يشكل الماء نسبة كبيرة من جسم الإنسان، وله وظائف عديدة لا يمكن للجسم أداءها بكفاءة من دونه.
فالماء يساعد في المحافظة على حجم الدم والدورة الدموية، ويساهم في تنظيم درجة حرارة الجسم من خلال التعرق، كما يساعد الكلى على التخلص من الفضلات عن طريق البول.
كذلك يحتاج الجهاز الهضمي إلى السوائل للقيام بوظائفه بصورة طبيعية، ويساعد توفر كمية مناسبة من السوائل على تقليل احتمالية الإصابة بالجفاف والإمساك لدى بعض الأشخاص.
كما أن العضلات والدماغ وأعضاء الجسم المختلفة تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على التوازن المناسب للسوائل والأملاح.
لذلك فإن نقص الماء يمكن أن يؤثر في النشاط والتركيز والأداء البدني، خصوصًا عند فقدان كمية كبيرة من السوائل بسبب الحرارة أو التعرق أو ممارسة الرياضة.
هل يجب على الجميع شرب 8 أكواب يوميًا؟
من أشهر النصائح المتداولة ضرورة شرب ثمانية أكواب من الماء يوميًا. لكنها ليست قاعدة ثابتة تناسب جميع الأشخاص.
احتياجات الجسم من السوائل تختلف من شخص إلى آخر حسب عوامل عديدة، منها:
العمر والوزن ومستوى النشاط البدني ودرجة حرارة الجو والنظام الغذائي والحالة الصحية والحمل والرضاعة ومقدار التعرق.
فالشخص الذي يمارس الرياضة في طقس شديد الحرارة قد يحتاج إلى سوائل أكثر من شخص يقضي معظم يومه في مكان بارد دون نشاط بدني كبير.
كما أننا لا نحصل على الماء من الشرب فقط، بل تحتوي العديد من الأطعمة والمشروبات على الماء أيضًا، مثل الفواكه والخضروات والحليب والشوربات.
ولهذا فإن تحديد رقم واحد يناسب الجميع ليس دقيقًا.
هل الشعور بالعطش كافٍ؟
العطش من أهم الآليات التي يستخدمها الجسم لتنبيهك إلى حاجته للسوائل. بالنسبة لمعظم الأشخاص الأصحاء، يمكن أن يكون الاستجابة للعطش جزءًا جيدًا من المحافظة على الترطيب.
لكن لا ينبغي الاعتماد عليه وحده في جميع الظروف.
فقد يحتاج كبار السن إلى الانتباه بصورة أكبر لشرب السوائل، كما أن الأشخاص الذين يمارسون نشاطًا بدنيًا طويلًا أو يتعرضون لدرجات حرارة مرتفعة قد يفقدون السوائل بسرعة.
لذلك من الأفضل الانتباه إلى مجموعة من الإشارات بدل التركيز على رقم محدد من أكواب الماء.
ماذا يحدث عندما لا تشرب كمية كافية؟
عندما يفقد الجسم سوائل أكثر مما يحصل عليه، قد يحدث الجفاف.
وقد تبدأ أعراضه بصورة بسيطة، مثل:
الشعور بالعطش، جفاف الفم، انخفاض كمية البول، تغير لون البول ليصبح أكثر تركيزًا، الصداع، التعب أو الدوخة.
وقد يكون الجفاف أكثر وضوحًا أثناء الطقس الحار، وبعد ممارسة الرياضة، أو مع القيء والإسهال والحمى.
وكلما ازدادت شدة فقدان السوائل أصبحت الحالة أكثر أهمية وقد تحتاج إلى تقييم وعلاج طبي، خصوصًا لدى الأطفال وكبار السن والأشخاص المصابين بأمراض مزمنة.
لكن هل يمكن أن تشرب ماء أكثر من اللازم؟
نعم.
قد يبدو الأمر غريبًا لأن الماء يرتبط دائمًا بالصحة، لكن الجسم لديه قدرة محددة على التخلص من الماء الزائد.
إذا شرب الإنسان كمية هائلة من الماء خلال فترة قصيرة، فقد لا تتمكن الكلى من التخلص منها بالسرعة الكافية.
وهنا يمكن أن ينخفض تركيز الصوديوم في الدم نتيجة زيادة كمية الماء، وهي حالة تعرف باسم نقص صوديوم الدم (Hyponatremia).
في الحالات الشديدة، يمكن أن تكون هذه الحالة خطيرة وتؤثر في الجهاز العصبي.
لكن من المهم التأكيد أن حدوث ذلك بسبب شرب الماء لدى الشخص الطبيعي غير شائع، وغالبًا يرتبط بشرب كميات كبيرة جدًا خلال فترة قصيرة أو بوجود ظروف صحية أو دوائية معينة.
ما أعراض الإفراط الشديد في شرب الماء؟
إذا أدى تناول كميات كبيرة جدًا من الماء إلى انخفاض الصوديوم، فقد تظهر أعراض مثل الغثيان والصداع والارتباك والخمول.
وفي الحالات الشديدة جدًا قد تحدث أعراض عصبية خطيرة تستدعي التدخل الطبي العاجل.
لذلك لا توجد فائدة من إجبار نفسك على شرب كميات هائلة من الماء فقط لأنك تعتقد أن “المزيد أفضل”.
الجسم يحتاج إلى التوازن وليس إلى أكبر كمية ممكنة.
هل لون البول يخبرك أنك تشرب ماء كافيًا؟
يمكن أن يعطي لون البول فكرة عامة عن حالة الترطيب، لكنه ليس اختبارًا طبيًا دقيقًا بمفرده.
عادة يكون البول الفاتح علامة على توفر كمية جيدة من السوائل، بينما قد يشير البول الداكن أو المركز إلى أنك تحتاج إلى المزيد، خصوصًا إذا ترافق مع العطش.
لكن هناك عوامل أخرى يمكن أن تغير لون البول، مثل بعض الأطعمة والأدوية والفيتامينات وبعض الحالات الصحية.
لذلك لا ينبغي الحكم على الصحة أو تشخيص الجفاف اعتمادًا على اللون وحده.
كما أن محاولة جعل البول شفافًا تمامًا طوال اليوم عن طريق الإفراط في شرب الماء ليست هدفًا صحيًا ضروريًا.
متى يحتاج جسمك إلى ماء أكثر؟
هناك أوقات يكون فيها الاهتمام بالسوائل أكثر أهمية من المعتاد.
عند ممارسة الرياضة، على سبيل المثال، يفقد الجسم الماء عن طريق التعرق. وكلما كان النشاط أطول أو أكثر شدة، وخصوصًا في الأجواء الحارة، ازدادت الحاجة إلى تعويض السوائل.
كذلك قد يحتاج الجسم إلى كمية أكبر في الطقس الحار، ومع الحمى، وأثناء القيء أو الإسهال.
وتزداد احتياجات السوائل أيضًا أثناء الحمل والرضاعة.
أما الأشخاص الذين يعانون أمراضًا معينة في القلب أو الكلى أو الكبد، فقد تكون لديهم تعليمات مختلفة بشأن كمية السوائل، ولهذا يجب عليهم اتباع توصيات الطبيب بدل زيادة الماء بصورة عشوائية.
هل شرب الماء يساعد الكلى؟
الحصول على كمية مناسبة من السوائل مهم لعمل الكلى، ويساعد الجسم على إنتاج البول والتخلص من الفضلات.
كما أن المحافظة على الترطيب قد تكون مهمة في تقليل خطر بعض أنواع حصوات الكلى لدى أشخاص معينين.
لكن هذا لا يعني أن إجبار نفسك على شرب كميات ضخمة سيجعل الكلى “أنظف” أو أكثر صحة.
الكلى أعضاء تقوم بتنظيم الماء والأملاح والتخلص من الفضلات باستمرار، والمطلوب هو توفير احتياجات الجسم بصورة مناسبة، لا إغراقه بالماء.
هل شرب الماء بكثرة يساعد على خسارة الوزن؟
قد يساعد الماء بصورة غير مباشرة في التحكم بالوزن، خصوصًا عندما يحل محل المشروبات عالية السعرات الحرارية مثل المشروبات الغازية أو العصائر المحلاة.
كما أن شرب الماء مع الوجبات قد يساعد بعض الأشخاص على الشعور بالشبع.
لكن الماء وحده ليس وسيلة سحرية لحرق الدهون، وشرب كميات كبيرة جدًا منه لن يؤدي تلقائيًا إلى خسارة الوزن.
إنقاص الوزن يعتمد بصورة أساسية على نمط الغذاء والنشاط البدني وتوازن الطاقة وعوامل أخرى تتعلق بنمط الحياة والصحة.
هل شرب الماء قبل النوم فكرة جيدة؟
إذا كنت عطشانًا، فمن الطبيعي شرب الماء قبل النوم.
لكن تناول كمية كبيرة جدًا مباشرة قبل النوم قد يؤدي إلى الاستيقاظ المتكرر لدخول الحمام، وبالتالي يؤثر في جودة النوم.
الأفضل هو توزيع شرب السوائل على مدار اليوم بدل محاولة تعويض معظم احتياجاتك في الساعات الأخيرة من الليل.
وإذا كنت تستيقظ عدة مرات كل ليلة للتبول بصورة مستمرة دون سبب واضح، فقد يكون من المفيد استشارة الطبيب، خصوصًا إذا ظهرت أعراض أخرى مثل العطش الشديد أو زيادة كمية البول بصورة ملحوظة.
كيف تشرب الماء بطريقة صحية؟
لا تحتاج إلى تحويل شرب الماء إلى عملية حسابية معقدة.
بالنسبة لمعظم الأشخاص الأصحاء، من الأفضل شرب السوائل بانتظام خلال اليوم والاستجابة للعطش وزيادة الكمية عند ممارسة الرياضة أو التعرض للحرارة.
احتفظ بالماء قريبًا منك إذا كنت تنسى الشرب، وتناول الأطعمة الغنية بالماء مثل الفواكه والخضروات، ولا تنتظر حتى نهاية اليوم لشرب كمية كبيرة دفعة واحدة.
وفي المقابل، لا تجبر نفسك على شرب الماء باستمرار إذا لم تكن بحاجة إليه فقط للوصول إلى رقم معين شاهدته على الإنترنت.
متى يجب الانتباه؟
إذا كنت تشعر بعطش شديد ومستمر رغم شرب كميات كبيرة من الماء، أو أصبحت تتبول بصورة أكثر بكثير من المعتاد، فمن الأفضل عدم تجاهل الأمر.
كذلك يحتاج الجفاف الشديد أو القيء والإسهال المستمران أو الارتباك أو الأعراض غير المعتادة بعد تناول كميات هائلة من السوائل إلى تقييم طبي.
كما أن الأشخاص الذين لديهم أمراض مزمنة في الكلى أو القلب أو الكبد يجب ألا يغيروا كمية السوائل التي يتناولونها بصورة كبيرة دون الرجوع إلى الطبيب، لأن احتياجاتهم قد تختلف عن احتياجات الشخص السليم.
الخلاصة
الماء ضروري لصحتك، لكن الفكرة الشائعة بأن “كلما شربت أكثر أصبحت أكثر صحة” ليست صحيحة دائمًا.
جسمك يحتاج إلى كمية مناسبة من السوائل تتغير حسب نشاطك والطقس ونظامك الغذائي وحالتك الصحية. نقص الماء قد يؤدي إلى الجفاف، بينما الإفراط الشديد في شربه خلال فترة قصيرة يمكن، في حالات نادرة، أن يسبب اضطرابًا خطيرًا في مستوى الصوديوم.
لذلك اجعل هدفك الترطيب المتوازن: اشرب بانتظام، استجب للعطش، زد السوائل عندما تفقدها بسبب الحرارة أو النشاط، ولا تجبر نفسك على شرب كميات ضخمة دون حاجة.
ففي الماء، كما في أشياء كثيرة تتعلق بالصحة، التوازن أهم من الإفراط
قد يهمك أيضاً
لماذا أشعر بالتعب رغم النوم 8 ساعات؟

تعليقات
إرسال تعليق