الجلوس لساعات طويلة قد يضر صحتك أكثر مما تتوقع

 

رجل يجلس لفترة طويلة أمام الكمبيوتر أثناء العمل


أصبح الجلوس لفترات طويلة جزءًا طبيعيًا من حياتنا اليومية. نجلس أثناء الدراسة والعمل، وأمام الكمبيوتر، وخلال استخدام الهاتف ومشاهدة التلفاز، وحتى عند التنقل بالسيارة. وقد تمر ساعات طويلة دون أن نلاحظ أننا بالكاد تحركنا من مكاننا.

لكن المشكلة ليست في الجلوس بحد ذاته، بل في الجلوس المتواصل لساعات طويلة مع قلة الحركة والنشاط البدني. فالجسم مصمم للحركة، وعندما يصبح نمط الحياة قليل النشاط بشكل مستمر، قد تظهر آثار صحية تدريجيًا، بعضها بسيط في البداية مثل آلام الظهر والخمول، وبعضها قد يرتبط على المدى الطويل بمشكلات صحية أكثر أهمية.

في هذا المقال نتعرف على تأثير الجلوس الطويل على الجسم، وما العلامات التي قد تظهر، وكيف يمكن تقليل أضراره دون الحاجة إلى تغيير حياتك بالكامل.


لماذا يؤثر الجلوس الطويل على الجسم؟

عندما تجلس لفترة طويلة، يقل نشاط عدد كبير من عضلات الجسم، خصوصًا عضلات الساقين. كما ينخفض استهلاك الطاقة مقارنة بالمشي أو الوقوف والحركة.

وإذا تكرر ذلك يوميًا وأصبح الشخص يقضي معظم يومه جالسًا، فقد يصبح إجمالي النشاط البدني خلال اليوم منخفضًا جدًا.

وهنا يجب التفريق بين شخص يجلس فترة أثناء العمل لكنه يتحرك بانتظام، وبين شخص يقضي معظم يومه جالسًا ولا يمارس إلا قدرًا قليلًا جدًا من النشاط البدني.

كلما زادت فترات الخمول وقلة الحركة، أصبح الاهتمام بإضافة النشاط إلى اليوم أكثر أهمية.


1. آلام الظهر والرقبة

من أكثر المشكلات التي يلاحظها الأشخاص الذين يجلسون لساعات طويلة آلام الظهر والرقبة.

وقد لا يكون السبب هو الجلوس فقط، وإنما طريقة الجلوس أيضًا. فالانحناء للأمام أثناء استخدام الهاتف أو الكمبيوتر، وعدم دعم أسفل الظهر، ووضع الشاشة في مستوى غير مناسب، كلها عوامل قد تزيد الضغط على العضلات والمفاصل.

قد تبدأ المشكلة على هيئة شد أو ألم بسيط بعد عدة ساعات، ثم تختفي بعد الحركة والراحة. لكن تكرار الوضعية نفسها يوميًا قد يجعل الألم أكثر إزعاجًا.

لذلك من المهم تعديل وضعية الجلوس، وتغييرها من وقت لآخر، وعدم البقاء في الوضع نفسه لساعات متواصلة.


2. الشعور بالخمول والتعب

قد يبدو الأمر غريبًا: كيف نشعر بالتعب رغم أننا لم نبذل مجهودًا؟

الجلوس لفترة طويلة قد يجعلك تشعر بالخمول وقلة النشاط، خاصة عندما تقضي ساعات أمام شاشة دون فواصل للحركة.

الحركة القصيرة خلال اليوم تساعد على كسر فترات الخمول. لا يشترط أن تقوم بتمرين رياضي كامل في كل مرة؛ أحيانًا يكفي أن تنهض من مكانك، وتمشي قليلًا أو تتحرك داخل المنزل أو مكان العمل.

وإذا كنت تشعر بالتعب المستمر رغم النوم الكافي والنشاط المناسب، فلا تفترض أن الجلوس هو السبب الوحيد؛ فالتعب المستمر قد تكون له أسباب أخرى تحتاج إلى تقييم.


3. زيادة الوزن مع مرور الوقت

الجلوس نفسه لا يعني أنك ستصاب بالسمنة، لكن نمط الحياة قليل الحركة قد يجعل استهلاك الجسم للطاقة أقل.

إذا كان الشخص يتناول سعرات حرارية أكثر مما يستهلك بصورة مستمرة، فقد يزداد وزنه تدريجيًا.

ولهذا لا ينبغي النظر إلى الوزن من ناحية الطعام فقط. الحركة اليومية جزء مهم من المعادلة.

قد يكون الشخص لا يتناول كميات ضخمة من الطعام، لكنه يقضي معظم يومه دون نشاط يُذكر، وبالتالي يكون استهلاكه اليومي للطاقة منخفضًا.

الحل لا يعني بالضرورة ممارسة تمارين شديدة؛ زيادة المشي والحركة اليومية قد تكون بداية جيدة.


4. تأثيره على الدورة الدموية في الساقين

عندما تتحرك، تنقبض عضلات الساقين باستمرار وتساعد على حركة الدم. أما الجلوس دون تغيير الوضعية لفترات طويلة فيقلل حركة عضلات الساق.

ولهذا قد يشعر بعض الأشخاص بثقل أو انزعاج في الساقين بعد الجلوس الطويل، خاصة أثناء الرحلات أو ساعات العمل الممتدة.

الحركة الدورية وتمديد الساقين والمشي من وقت لآخر تساعد على تجنب البقاء في وضع ثابت لفترة طويلة.

أما إذا ظهر تورم مفاجئ في ساق واحدة، خصوصًا إذا صاحبه ألم أو احمرار أو سخونة، فلا ينبغي تجاهله ويجب الحصول على تقييم طبي.


5. الجلوس الطويل وصحة القلب

تشير الأبحاث الصحية إلى وجود ارتباط بين قضاء وقت طويل في السلوك الخامل وارتفاع مخاطر بعض الأمراض المزمنة، ومنها أمراض القلب والأوعية الدموية.

لكن من المهم فهم كلمة “ارتباط”: الإصابة بهذه الأمراض لا تعتمد على الجلوس وحده. فهناك عوامل كثيرة مثل العمر، والوزن، والتدخين، والنظام الغذائي، والنشاط البدني، وضغط الدم، والسكري، والتاريخ العائلي.

ومع ذلك، تقليل وقت الخمول وزيادة الحركة من العادات المفيدة للصحة العامة.


6. الجلوس ومستوى السكر في الدم

تستخدم العضلات الجلوكوز للحصول على الطاقة، ولذلك فإن النشاط البدني يلعب دورًا مهمًا في عمليات الأيض وتنظيم مستوى السكر.

عندما يكون نمط الحياة قليل الحركة باستمرار، قد يتأثر التمثيل الغذائي على المدى الطويل.

وهذا أحد الأسباب التي تجعل النشاط البدني المنتظم جزءًا أساسيًا من النصائح المتعلقة بالوقاية من السكري من النوع الثاني وتحسين الصحة الأيضية.

ويمكن حتى للحركة الخفيفة المتكررة خلال اليوم أن تكون أفضل من قضاء ساعات طويلة متواصلة دون حركة.


7. ضعف اللياقة والعضلات

إذا كنت تستخدم عضلاتك بصورة أقل، فمن الطبيعي أن تتراجع لياقتك تدريجيًا.

قد تلاحظ أنك أصبحت تتعب من صعود الدرج أو المشي لمسافة كانت سهلة بالنسبة إليك سابقًا.

الأمر يحدث تدريجيًا، ولهذا قد لا يلاحظه الشخص إلا بعد فترة طويلة.

الحفاظ على المشي والتمارين المناسبة وتمارين تقوية العضلات يساعد على المحافظة على القدرة البدنية.


8. هل ممارسة الرياضة تلغي ضرر الجلوس الطويل؟

ممارسة الرياضة ممتازة ومهمة جدًا، لكنها لا تعني أن الأفضل هو ممارسة الرياضة لفترة قصيرة ثم قضاء بقية اليوم دون أي حركة.

الفكرة الأفضل هي الجمع بين التمرين المنتظم والحركة خلال اليوم.

فمثلًا، إذا كنت تدرس عدة ساعات، يمكنك النهوض بين فترات الدراسة والمشي قليلًا، ثم العودة إلى مكتبك. وإذا كان عملك مكتبيًا، حاول استغلال بعض الفرص للوقوف والحركة.

الهدف ليس منع الجلوس، وإنما منع تحوله إلى ساعات طويلة متواصلة من الخمول.


كم مرة يجب أن أتحرك؟

لا توجد قاعدة واحدة تناسب الجميع، لكن المبدأ البسيط هو: لا تبقَ جالسًا دون حركة لفترات طويلة جدًا عندما تستطيع تجنب ذلك.

يمكنك وضع تذكير دوري على الهاتف، والنهوض للمشي قليلًا، أو شرب الماء، أو القيام ببعض الحركات الخفيفة.

وخلال اليوم حاول زيادة نشاطك عمومًا؛ مثل المشي بدلًا من استخدام السيارة للمسافات القصيرة عندما يكون ذلك مناسبًا، أو استخدام الدرج، أو المشي أثناء المكالمات الهاتفية.

هذه التغييرات تبدو صغيرة، لكنها تتراكم خلال الأسبوع.


كيف تجلس بطريقة أفضل؟

إذا كانت الدراسة أو طبيعة عملك تجبرك على الجلوس ساعات طويلة، فاهتم ببيئة الجلوس نفسها.

حاول أن يكون ظهرك مدعومًا، وأن تكون قدماك في وضع مريح، وأن تكون الشاشة في مستوى مناسب قدر الإمكان. تجنب الانحناء المستمر للأمام والنظر إلى الهاتف للأسفل لفترات طويلة.

والأهم من البحث عن “الوضعية المثالية” هو تغيير وضعية جسمك والحركة بصورة متكررة.

حتى أفضل كرسي لا يجعل الجلوس المتواصل طوال اليوم خيارًا مثاليًا.


ماذا تفعل إذا كنت تدرس لساعات طويلة؟

الطلاب من أكثر الأشخاص عرضة للجلوس لفترات طويلة، خصوصًا في أوقات الاختبارات.

يمكن تقسيم الدراسة إلى فترات، وبينها فواصل قصيرة للحركة. قم من الكرسي، امشِ داخل الغرفة، حرّك الكتفين والرقبة والساقين، ثم عد إلى الدراسة.

كما أن وضع الهاتف أو زجاجة الماء بعيدًا قليلًا عن مكان الجلوس قد يجبرك على النهوض عدة مرات خلال اليوم بدلًا من البقاء في مكان واحد.

الفكرة أن تجعل الحركة جزءًا طبيعيًا من يومك بدلًا من انتظار وقت مخصص لها فقط.


متى يجب الانتباه للأعراض؟

آلام بسيطة مرتبطة بوضعية الجلوس قد تتحسن بتغيير الوضعية والحركة، لكن ليست كل الأعراض التي تحدث أثناء الجلوس سببها الجلوس.

اطلب تقييمًا طبيًا عند وجود أعراض شديدة أو مستمرة أو غير معتادة، خصوصًا ألم الصدر، أو ضيق التنفس المفاجئ، أو فقدان الوعي، أو ضعف مفاجئ في أحد أجزاء الجسم، أو تورم وألم واضح في ساق واحدة.

كذلك فإن آلام الظهر أو الرقبة التي تستمر أو تزداد أو يصاحبها ضعف أو تنميل تستحق التقييم الطبي بدلًا من الاكتفاء بتغيير الكرسي.


الخلاصة

الجلوس جزء لا يمكن تجنبه من الحياة الحديثة، ولا توجد حاجة للخوف من كل ساعة تقضيها على الكرسي. المشكلة الأساسية هي أن يتحول معظم اليوم إلى خمول مستمر وقلة حركة.

إذا كنت تعمل أو تدرس لفترات طويلة، حاول قطع فترات الجلوس بالحركة، وزيادة المشي خلال يومك، وممارسة نشاط بدني منتظم، والاهتمام بوضعية الجسم.

قد تبدو خطوات بسيطة، لكنها تساعدك على بناء نمط حياة أكثر نشاطًا على المدى الطويل.

ولا تنتظر حتى تشعر بالألم لكي تتحرك؛ اجعل الحركة عادة يومية، حتى لو كانت لبضع دقائق في كل مرة



قد يهمك أيضاً 

لماذا أشعر بالتعب رغم النوم 8 ساعات؟

لماذا تشعر بالدوخة عند الوقوف فجأة؟

هل الصداع المتكرر علامة على مشكلة صحية؟ علامات لا يجب تجاهلها

هل تشرب القهوة يوميًا؟ ما الذي يحدث لجسمك ؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لماذا أشعر بالتعب رغم النوم 8 ساعات ؟

لماذا تشعر بالدوخة عند الوقوف فجأة؟

كيف تحافظ على صحة الكلى؟ 10 نصائح بسيطة لحماية كليتيك